مريم الأم التي يحفز الوقوف أمامها أنبل المشاعر التي تقودنا إلى المسيح وتُعلمنا الإصغاء إلى صوته، إطاعة كلمته وأن ندعه يغيرنا. كان هذا من بين ما تطرق إليه البابا لاوُن الرابع عشر عقب تلاوة صلاة المسبحة الوردية ظهر اليوم في دير مريم العذراء سيدة مونتسيرات الذي يبعد ٤٠ كيلومترا عن برشلونة.
تلا قداسة البابا لاوُن الرابع عشر ظهر اليوم الأربعاء ١٠ حزيران يونيو صلاة المسبحة الوردية وذلك في دير مريم العذراء سيدة مونتسيرات الذي يبعد حوالي ٤٠ كيلومترا عن برشلونة. وتحدث بعدها إلى الحاضرين موجها التحية إلى الجميع ثم أعرب عن سعادته بالمجيء عند أقدام عذراء مونتسيرات، التي تُعرف باسم Moreneta أي السمراء، كي يوكل إلى شفاعتها الأمومية خدمته البطرسية ورسالة الكنيسة في العالم والتي تصرخ منادية بالعدالة والسلام.
وواصل قداسة البابا أن أسوار هذا المزار يمكنها أن تروي لنا قصص التعبد والامتنان والرجاء الكثيرة التي تمتد عبر القرون حول أم الله، سيدة مونتسيرات، كما وأن هذه الأسوار هي أيضا شاهدة على الدم الذي سُكب محبةً ليسوع المسيح. وخلف هذه الأسوار، تابع البابا، تُحفظ أفراح وآلام، بهجات ودموع الكثير من المؤمنين، كما وسمعت هذه الأسوار الأصوات السماوية لأقدم جوقة أطفال في أوروبا.
عاد البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك إلى إهداء سلفه البابا فرنسيس سنة ٢٠٢٣ وردة ذهبية لهذه الصورة المكرَّمة، وقال إن البابا فرنسيس قد دعانا هكذا إلى التأمل في مرور المؤمنين، بدون أي تمييز، لمئات السنين عبر هذا الدير تالين صلاة المسبحة الوردية وذلك لأن مريم أم الله هي أساسية في حياة كل مسيحي. وذكَّر الأب الأقدس بحديث سلفه في تلك المناسبة عن أن أمام الأم وكأن المشاعر الأكثر نبلا تنتعش لدى الأشخاص. وواصل البابا لاوُن الرابع عشر أن الأم تحفز لدينا ارتدادا عميقا مثل ارتداد القديس إغناطيوس دي لويولا والذي، وبعد ليلة من الصلام أمام العذراء في هذا المكان المؤثر، سلَّم سلاحه كفارس ما شكل بداية حياة جديدة في خدمة المسيح.
وبهذا التصرف البنوي ذاته، قال قداسة البابا للحضور، أدعوكم إلى تلبية دعوة مريم "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يو ٢، ٥). وأضاف البابا أن هذه الكلمات لمريم في عرس قانا الجليل تتضمن برنامجا فعليا للحياة المسيحية لأن مريم تقودنا إلى المسيح وتُعلمنا الإصغاء إلى صوته، إطاعة كلمته، أن ندعه يغيرنا. وتابع قداسته أن ما يريده يسوع واضح: " ما أُوصيكُم بِه هو: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً" (يو ١٥، ١٧)، وأكد البابا أن هذه محبة تجد مقدارها وينبوعها في يسوع ذاته: "كما أحببتكم" (يو ١٥، ١٢). وهكذا فإن مريم حين تقول لنا "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" فإنها تدعونا إلى بلوغ قلب متماشٍ مع معايير الإنجيل.
تحدث البابا لاوُن الرابع عشر بعد ذلك عن أن يسوع يرشدنا إلى طريق الرحمة والمصالح والحقيقة والوداعة، كما ويكشف من جهة أخرى العنف الذي قد يكون مختبئا في كلماتنا وأفعالنا: النقد المهين، الإدانة المدمِّرة والعدوانية المفرِّقة. وأوضح قداسة البابا أن هذا العنف الخفي يمكن أن يستتر غالبا فيما ما تبدو دروعا نحاول من خلالها حماية جراحنا ومخاوفنا والمعاناة الناتجة عن الظلم.
ثم دعا الأب الأقدس إلى التأمل في العذراء سيدة مونتسيرات التي تُظهر لنا يسوع كطفل ضعيف يستريح في حضنها، هي التي هنا بالقرب من الابن تدعونا إلى محبة بعضنا البعض، ولننزع هنا تحت أقدامها الدروع التي جعلت قلوبنا تدريجيا أكثر قسوة. وتابع البابا لاوُن الرابع عشر أن الطفل يسوع الذي تحمله مريم بين ذراعيها لا يرتدي أية دروع، وهو مَن سيسلم نفسه تماما للآب، عاريا على الصليب، ليخلصنا بقوة المحبة المجرَّدة من السلاح والمجرِّدة منه.
وواصل قداسة البابا داعيا إلى رفع أعيننا إلى مريم ولنتضرع سائلين إياها أن تساعدنا على أن نحمل فقط أسلحة الله مثلما يدعو القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس: "شُدُّوا أَوساطَكم بِالحَقّ والبَسوا دِرْعَ البِرّ، وشُدُّوا أَقْدامَكم بالنَّشاطِ لإِعلانِ بِشارةِ السَّلام، واحمِلوا تُرْسَ الإِيمانِ في كُلِّ حال... واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله" (أفسس ٦، ١٤-١٧).
واليوم كحجاج في مونتسيرات، قال الأب الأقدس، فلنُظهر الرغبة الصادقة في تأكيد خدمتنا لله الآب، والذي أظهره لنا يسوع المسيح الذي قال لنا: "مَن قَبِلَ واحِداً مِن أَمْثالِ هؤُلاءِ الأَطْفالِ إِكراماً لِاسمِي فقَد قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني فلم يَقبَلْني أَنا، بلِ الَّذي أَرسَلَني" (مر ٩، ٣٧). وواصل البابا لاوُن الرابع عشر مشيرا إلى أن العذراء تحمل في يدها العالم رمزا لرعايتها الأمومية لأن العالم كله يجد في قلبها مكانا، وهي تدعونا إلى الاعتراف بكوننا أخوة وأخوات حيث لا يُقصى أحد وتكون الشركة أقوى من أي انقسام.
وواصل البابا سائلا مريم ملكة السلام أن تُعلمنا التخلي عن الكلمات الجارحة والأحكام المتسرعة والوشاية والافتراء، أن نتعلم حراسة وإنماء المحبة في العائلة، بين الأصدقاء، في أماكن العمل، في شبكات التواصل الاجتماعي، في النقاش السياسي وفي الجماعات المسيحية، كي تترك الكراهية الفسحة للرجاء والسلام.
ثم ختم البابا لاوُن الرابع عشر سائلا أن توجهنا مريم أم الكنيسة دائما نحو يسوع، ثم دعا الحضور إلى تكريم مريم بهذه الكلمات:
للكتالونيّين أنتِ دائمًا الأميرة،
وللإسبان وللعالم أجمع، أنتِ كلّ الحبّ.
قولي لنا: "أنتم كنزي، وأنا أمّكم، فلا تخافوا"
آمين
هذا وعقب كلمته أطل قداسة البابا من شرفة الدير موجها التحية إلى المؤمنين وشاكرا إياهم على حضورهم وعلى هذا التعبير الجميل عن الإيمان متحدين كما في عائلة واحدة. وتحدث قداسته عما نعيش هذه الأيام من فرح وحماسة وحس إيمان عميق، وذلك في مدريد أولا ثم الآن في برشلونا، كاتالونيا، وبعد ذلك في جزر الكناري، وأشار إلى إسبانيا الممتلئة بكاملها بالإيمان والمحبة وبالرغبة في تمجيد اسم الله وشكره وفي الوحدة.
وأراد البابا لاوُن الرابع عشر من جهة أخرى شكر كاتالونيا على استقبالها أشخاصا كثر من بلدان أخرى، مضيفا أن هذا يُعَلمنا كيفية دمج الجميع في عائلة واحدة.، كما وشكر جماعة الإيمان والجماعة الرهبانية على استقبالهما جميع الحجاج الذين يأتون للصلاة إلى مريم العذراء. وواصل البابا قائلا للحضور أنه يشكرهم على تذكيرهم الجميع في كاتالونيا وإسبانيا والعالم بأن الإيمان يهب الحياة والرجاء، وأضاف أن مريم ترافقنا في تعبير عن محبة أمومية سترافقنا دائما.
إذاعة الفاتيكان