الأربعاء الثاني بعد الدنح «الإنجيل

 

 

 

إنجيل اليوم (متّى 4: 18 - 25)

 

 

 

18 فِيمَا كانَ يَسُوعُ مَاشِيًا على شَاطِئِ بَحرِ الجَليل، رَأى أخَوَين، سِمعَانَ الّذي يُدعَى بُطرُس، وأندرَاوُسَ أخَاه، وهُمَا يُلقِيَانِ الشَّبَكَةَ في البَحر، لأنَّهُمَا كَانَا صَيّادَين.

 

19 فَقَالَ لَهُمَا: "اتبَعَانِي فَأجعَلَكُمَا صَيّادَينِ لِلنَّاس".

 

20 فَتَرَكَا الشِّبَاكَ حَالاً، وتَبِعَاه.

 

21 ولَمَّا جَازَ مِن هُنَاك، رَأى أخَوَينِ آخَرَين، يَعقوبَ بنَ زَبَدَى، ويُوحَنَّا أخَاه، في السَّفِينَةِ مَعَ زَبَدَى أبِيهِمَا، وهُمَا يُصلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا.

 

22 فَتَرَكَا حَالاً السَّفِينَةَ وأبَاهُمَا، وتَبِعَاه.

 

23 وكانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الجَليل، يُعَلِّمُ في مَجَامِعِهِم، ويَكرِزُ بإِنجِيلِ المَلَكُوت، ويَشفِي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وكُلِّ عِلَّة.

 

24 وذَاعَ صِيتُهُ في سُورِيَّا كُلِّها، فَحَمَلُوا إليهِ جَمِيعَ مَن كانَ بِهِم سُوء، مُصَابِينَ بِأمرَاضٍ وأوجَاعٍ مُختَلِفَة، ومَمسُوسِينَ ومَصرُوعِينَ وَمَفلُوجِين، فَشَفَاهُم.

 

25 وتَبِعَتهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الجَلِيل والمُدُنِ العَشْر وأورَشَلِيم واليَهُودِيَّة وعِبرِ الأُردُنّ.

 

 

 

 

 

أوّلًا قراءتي للنصّ

 

 

 

 

 تتوزّع آيات نصّ إنجيل هذا اليوم على عنوانَين، الأوّل"دعوة التلاميذ الأوّلين" (18 - 22)، وله نصّ موازٍ وشبيه في مرقس (1: 16 - 20)، وآخر غير شبيه من حيث الإطار في لوقا (5: 1 - 11). نحن أمام دعوة التلاميذ الأربعة الأوائل؛ وستبقى أسماؤهم الأولى بين أسماء الرّسل الإثني عشر (متّى 10: 2 - 4؛ مر 3: 16 - 19؛ لو 6: 14 - 16؛ رسل 1: 13)؛ والثاني "يسوع يعلّم ويشفي" (23 - 25)، وله نصّ موازٍ، دون تفاصيل، في مرقس (1: 39)، وآخر شبيه، في لوقا (4: 44؛ 6: 17 - 18)؛ نرى أنّ متّى يلخّص، في هذه الآيات، كلّ رسالة يسوع، يجول معلّمًا ومبشّرًا بملكوت الله، يشفي من كلّ مرض، وإليه تزحف الناس من كلّ صَوب.

 

 

 

 

 

2- لقد تميّزت دعوة يسوع للتلاميذ الأربعة الأوّلين بما يلي.

 

 

أ- رأى يسوع سمعان بطرس وأندراوس أخاه، وهما يصطادان سمكًا في البحر، فتوجّه إليهما بدعوة مباشرة لاتّباعه، مُعْلِمًا إيّاهما، بصراحة، بأنّهما سيتحوّلان بذلك، مِن صيّادين للسّمك، إلى صيّادين للناس؛ أمّا هما، فلبّيا دعوة يسوع هذه، وتركَا الشّباك، أي عملهما، حالاً، وتبعاه.

 

 

 

ب- ورأى يسوع، بعد ذلك، يعقوب بن زبدى ويوحنّا أخاه، وهما يصلحان، في السفينة مع أبيهما، شباكهما، فتوجّه إليهما بالدعوة نفسها، من دون الإشارة إلى النتيجة المتوخّاة؛ وهذان أيضًا، لبّيا دعوة يسوع، فتركا السفينة، أي المكان حيث كانا، وعملهما وأباهما حالاً، وتبعاه.

 

 

ج- في موضوع دعوة التتلمُذ ليسوع، قد تصحّ الإستنتاجات التالية.

 

 

* قد دعا يسوع، ولا يزال يدعو الجميع إلى الخلاص، بالإصغاء إليه وبالإيمان به وبالعمل بموجب هذا الإيمان؛

* ولقد خصّ يسوع، أثناء حياته العلنيّة على الأرض، بعضَ الناس، فتوّجه إليهم بدعوة مباشرة لاتّباعه والتتلمذ له؛ لذلك كان، معه وحول الرّسل الاثنَي عشَر، العديدُ من التلاميذ والتلميذات، مكوِّنِين فئةً متميّزة عن فئة باقي المؤمنين به؛

 

* ولقد كلّف يسوع الكنيسة، بكوادرها الإداريّة والتربويّة، استقبال الذين لا يزال يدعوهم إلى التتلمُذ له بطرق شتّى وغير مباشرة، وإلى التحقّق من دعوتهم هذه، ومساعدتهم على توطيدها؛

 

* على أنّ الدليل الأكيد على صحّة دعوة يسوع لهذا أو لذاك من "هؤلاء المدعوّين"، إنّما يبقى في مقدار تلبيته لتلك الدعوة، وتركه كلّ شيء، وحالاً، لاعتناق الحالة الكنسيّة المعيَّنة لها، والإلتزام الكامل بما تقتضيه هذه الحالة الكنسيّة.

 

 

 

3- يشير متّى الإنجيليّ إلى أنّ جموعًا كثيرة كانوا يتبعون يسوع أثناء تطوافه في كلّ الجليل، منجذبين إليه لحسن صيته واتّساع انتشار هذا الصيت الحسن في كلّ المنطقة؛ ويشير متّى الإنجيليّ أيضًا إلى أنّ معاطاة يسوع مع تلك الجموع لم تكن لتقتصر على التعليم، وعلى التبشير بملكوت الله، بل غالبًا ما كان يعير انتباهه إلى "جميع مَن كان بهم سوء"، من بين تلك الجموع، فيلبّي حاجات حياتهم الزمنيّة، شافيًا هنا، "الشعب من كلّ مرض وكلّ علّة"، ومشبعًا هناك، جوعَه بتكثير الخبز والسّمك!

 

 

 

أليس من الواجب أن تكون معاطاةُ الكنيسة معاطاةَ أصحاب الدعوات الخاصّة من أبنائها، هي هي عينها، كتلك المعاطاة التي مارسها يسوع، وتُعَلِّمُها الأناجيل؟! عدم الإكتفاء بخدمة التعليم، بل إعارة خدمة التدبير، ببُعدَيها الكنسيّ والمدنيّ، الأهميّة الواجبة، لِمَا لها من تأثير مباشر على خدمتَي التعليم والتقديس؟!

 

 

 

 

 

ثانيًا "قراءة رعائيّة"

 

 

 

 الآيات (18 - 22)

 

 

نحن أمام مشروع يسوع في دعوته أربعة صيّادين لاتّباعه، جاعلاً نظره عليهم، لكي يختارهم (رأى)، وطالبًا منهم التخلّي عن نظرتهم إلى العالم، من أجل نظرة جديدة، هي مخطّط الله الخلاصيّ...، إلى ترك عملهم العدي، مهنتهم التي كانوا يعتاشون منها، للأخذ بعمل آخر، هو مشروع الله ومدرسة يسوع؛ كانوا يصطادون البشر، أي كيف يجمعونهم من أجل الدينونة والدخول إلى الملكوت (متّى 13: 47 - 50)؛ وبما أنّ العدد: أربعة، يرمز إلى العالم كلّه، فتلاميذ يسوع الأربعة يمثّلون العالم بأقطاره الأربعة.

 

 

2- الآيات (23 - 25)

 

 

بعد أن كنّا أمام الوجهة الشخصيّة من رسالة يسوع (دعوة التلاميذ الأربعة)، نرانا الآن أمام البعد الإجتماعيّ لهذه الرسالة، على مستوى الجليل، بل على مستوى سوريّا كلّها، حيث منها تَبِعَتْ يسوعَ جموعٌ كثيرة، آملةً أن ترى فيه، هو المعلّم، ما لم تره أو تجده عند معلّمي المجامع اليهوديّة (راجع 8: 1؛ 12: 15؛ 14: 13)؛ ونرانا أيضًا، مع أفعال ثلاثة ليسوع: يعلّم، يكرز (يعلن)، ويشفي:

 

 

 

أ- كان يسوع يعلّم، يوم السبت، في المجامع اليهوديّة، وهي الأمكنة التي كان اليهود يجتمعون فيها، يوم السبت، من أجل دراسة الكتاب المقدّس، وأعمال العبادة؛ استفاد يسوع من المجمع (لو 4: 16)، ليعلّم، وسيفعل بولس مثله (رسل 13: 15؛ 14: 1؛ 17: 2؛ 18: 4)؛ أمّا في سائر الأيّام، فكان يسوع يعلّم في الهواء الطلق؛

 

 

ب- يكرز بإنجيل الملكوت، أي بالتعاليم التي نقرأها في إنجيل متّى، ولا سيّما في خطب يسوع الخمس، وأوّلها عظة الجبل (5 - 7)؛

 

 

ج- ويشفي: ما يعني أنّ ملكوت الله قد بدأ عمله (10: 1 - 8)، وهو يشمل كلّ مرض وداء، والمدن العشر (كلّ سوريّا: المنطقة الواقعة شماليّ الجليل، بين دمشق والبحر المتوسّط)، ويتوجّه بخاصّة إلى المنبوذين، والمصروعين (الذين يقعون في الهلّة، ويعتقدون أنّ مرضهم متعلّق بتحوّلات القمر)، والممسوسين (أي الذين يعتبرون الشيطان ساكنًا فيهم، وهو سبب المرض الذي منه يتألّمون).

 

 

 

                                                                            الأب توما مهنّا