كلمة البابا خلال المقابلة العامة «متفرقات

 

 

 

 

 

 

"تُريدُ أَن تُقنِعَني بأَنَّكَ بِوَقتٍ قليلِ جَعَلتَني مَسيحِيًّا" (رسل 26، 28)

بولس السجين في حضرة الملك أَغْريبَّا

 

 

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير!

 

 

تستمرّ رحلة الإنجيل في العالم في سفر أعمال الرسل، وتتميّز شهادة القدّيس بولس دائمًا بطابع المعاناة. لكن هذه المعاناة كانت تنمو مع مرور الوقت في حياته. بولس ليس فقط المبشّر المليء بالحماس، والمبشّر الجريء بين الوثنيّين والذي يؤسّس جماعات مسيحيّة جديدة، بل هو أيضًا الشاهد في الآلام للقائم من بين الأموات (رسل 9، 15- 16).

 

 

 

إن وصول الرسول إلى أورشليم، الذي رواه سفر أعمال الرسل في الفصل الحادي والعشرين، أثار عليه كراهية شرسة، فكانوا يوبخونه قائلين: "ألم يكن هذا مضطهدًا! لا تثقوا به". فكما كانت أورشليم مدينةً عدائيةً بالنسبة ليسوع، هي أيضًا كذلك بالنسبة لبولس. لما دخل الهيكل عرفوه، فجرُّوه خارجًا ليرجموه، وأنقذه الجنود الرومان في اللحظات الأخيرة. اتٌّهِم بالتعليم ضدّ الشريعة والهيكل، فاعتُقل وبدأ رحلته كسجين، أوّلًا أمام مجلس الساندرين، ثم أمام الوالي الروماني في قيصرية، وأخيراً أمام الملك أغْريبَّا. يظهر لوقا شَبَهًا بين بولس ويسوع: تعرضّ كلاهما لكراهية الخصوم، واتُّهِما علنًا، وأُعلِنت براءتهما من قبل السلطات الإمبراطورية.

 

 

وهكذا اشترك بولس في آلام معلّمه، وأصبحت آلامه إنجيلًا حيًا.لقد جئت من بازليك القديس بطرس حيث التقيت أوّلًا، هذا الصباح، مع الحجاج الأوكرانيين القادمين من إحدى أبرشيات أوكرانية. كم تعرض هؤلاء الاشخاص للاضطهاد! وكم عانوا من أجل الإنجيل! لكنهم لم يساوموا على الإيمان. إنهم مثال. يتعرض اليوم في العالم، وفي أوروبا، العديد من المسيحيين للاضطهاد ويمنحون حياتهم من أجل ايمانهم، أو يتعرضون للاضطهاد بدون سفك دماء، أي يتم استبعادهم وتهميشهم ... الاستشهاد هو روح الحياة للمسيحي والجماعة المسيحية. سيكون هناك دائمًا شهداء بيننا: هذه هي العلامة على أننا نسير على طريق يسوع، وهي نعمة منه، أن يكون هناك رجلٌ أو امرأة في شعب الله أن يشهد حتى الاستشهاد.

 

 

دُعي بولس للدفاع عن نفسه والردّ على الاتّهامات الموجّهة إليه، وفي النهاية، وبحضور الملك أغْريبَّا الثاني، تحوّل دفاعه إلى شهادة بليغة للإيمان (را. رسل 26، 1- 23).

 

 

ثم روى بولس اهتداءه: المسيح القائم من بين الأموات جعله مسيحيًّا وعهد إليهبالرسالة بين الأمم كي، "يَرجِعوا مِنَ الظَّلامِ إِلى النُّور، ومِن سُلطانِ الشَّيطانِ إِلى اللّه، ويَنالوا بِالإِيمانِ غُفْرانَ الخَطايا ونَصيبَهم مِنَ الميراثِ في عِدادِ المُقَدَّسين" في المسيح (آية ١٨). أطاع بولس هذا التكليف ولم يفعل شيئًا سوى أنه أظهر كيف تنبأ الأنبياء وموسى بما يبشر به الآن: "أَنَّ المسيحَ سيَتَأَلَّم وأَنَّه، وهو أَوَّلُ القائمينَ مِن بَينِ الأَموات، سيُبَشِّرُ الشَّعْبَ والوَثَنِيِّينَ بِالنُّور" (آية 23). لمست شهادة بولس القويّة قلب الملك أغْريبَّا، الذي كانت تنقصه فقط الخطوة الحاسمة. هكذا قال: "تُريدُ أَن تُقنِعَني بأَنَّكَ بِوَقتٍ قليلِ جَعَلتَني مَسيحِيًّا" (آية 28). أُعلِنَت براءة بولس، لكن لم يُخْلَ سبيله لأنه كان قد رفع دعواه إلى قيصر. هكذا استمرّت رحلة كلمة الله التي لا يمكن إيقافها، نحو روما. وسوف تنتهي حياة بولس، المكبل بالسلاسل، هنا في روما.

 

 

 

انطلاقًا من تلك اللحظة، صورة بولس هي صورة السجين، وسلاسله هي علامة على إخلاصه للإنجيل وللشهادة التي قدّمها للقائم من بين الأموات.

 

 

 

السلاسل هي بالتأكيد اختبار مهين للرسول، الذي يبدو في نظر العالم "كالمُجرِم" (2 طيم 2، 9). لكن محبّته للمسيح كانت قويّةً لدرجة أنه نظر إلى هذه السلاسل بعيون الإيمان. الإيمان بالنسبة لبولس ليس "نظرية، ورأياً حول الله والعالم"، بل "هو فِعلُ محبّة الله في قلبه، [...] هي محبّته ليسوع المسيح" (بندكتس السادس عشر، عظة بمناسبة سنة القديس بولس، 28 حيران/يونيو 2008).

 

 

 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، يعلّمنا بولس الثبات في المحن والقدرة على قراءة كلّ شيء بعيون الإيمان. لنطلب اليوم من الربّ يسوع، بشفاعة الرسول، أن يحيي إيماننا ويساعدنا على أن نكون مخلصين حتى النهاية لدعوتنا كمسيحيين وكتلاميذ للرب يسوع وكمبشرين.

 

 

 

موقع الكرسي الرسولي.