عظة البابا في كاتدرائية طوكيو «متفرقات

 

 

في إطار زيارته الرسوليّة إلى اليابان ترأس قداسة البابا فرنسيس القداس الإلهي عصر الإثنين في كاتدرائية طوكيو وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها: 

 

 

يشكل الإنجيل الذي سمعناه جزءًا من أول خطاب كبير ليسوع والذي نعرفه باسم "عظة الجبل" (متى 5/ 1 -12) ويصف لنا جمال الدرب التي دُعينا للسير عليها. إن الجبل بحسب الكتاب المقدّس هو المكان الذي يظهر فيه الرب ويعرّفنا عن ذاته. جبل لا نبلغ قمّته بواسطة ممارسة تقدّم المهنة على حساب النزاهة الشخصية وإنما فقط من خلال الإصغاء المتنبّه والصبور للمعلّم على مفترق طرق المسيرة. حيث تتحول القمة إلى سهل لكي تقدّم لنا رؤية جديدة لكل ما يحيط بنا. في يسوع نجد قمّة ما هو إنساني ويدلنا إلى الطريق الذي يقودنا نحو الملء القادر على تخطّي جميع الحسابات المعروفة، وفيه نجد حياة جديدة نختبر فيها حريّة المعرفة بأننا أبناء محبوبين.

 

 

 

 بالرغم من ذلك نحن ندرك واقع أنّه، وخلال المسيرة، قد تُخنَقُ حريّة الأبناء هذه وتضعف عندما نصبح سجناء لحلقة مفرغة من الحزن والمنافسة أو عندما نركّز اهتمامنا كلّه على وطاقاتنا في بحث مجنون عن الإنتاج والاستهلاك كمعيار وحيد لقياس خيارتنا والتحقق منها أو لكي نحدد من نحن ومدى ٣قيمتنا. هنا في اليابان وفي مجتمع يملك اقتصادًا متطورًا جدًّا لفت الشباب انتباهي صباح اليوم في القائي معهم إلى أنَّ عدد الأشخاص المنعزلين اجتماعيًّا مرتفع وأنهم يعيشون على الهامش غير قادرين على فهم معنى الحياة ومعنى وجودهم.

 

 

وبالتالي يتردد كبلسمٍ شافي صدى كلمات يسوع التي تدعونا لكي لا نضطرب ولكي نتحلّى بالثقة، إذ يكرر لثلاث مرات بإصرار قائلاً: لا يُهِمَّكُم لِلعَيشِ... ولا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد. هذه ليست دعوة لكي نتجاهل ما يجري حولنا أو لكي نصبح غير مبالين باهتماماتنا ومسؤولياتنا اليومية، بل على العكس إنها تحريض لكي نفتح أولوياتنا على أفق معنى أوسع ونخلق هكذا فسحة للنظر في اتجاهه: "اطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَ الله وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه" (متى ٦، ٣٣). إنَّ الرب لا يقول لنا أنَّ الضرورات الأساسية كالطعام واللباس ليست مهمّة ولكنّه يدعونا لكي نعيد النظر في خياراتنا اليومية لكي لا نبقى محبوسين ومعزولين في البحث عن النجاح مهما كان الثمن، حتى إن كلفنا حياتنا أيضًا.

 

 

 

 تذكرنا دعوة الله هذه أننا بحاجة لأن "نعترف بفرح أنَّ واقعنا هو ثمرة عطيّة، وأن نقبل أيضًا حريّتنا كنعمة. وهذا الأمر صعب اليوم، في عالم يعتقد أنّه يملك شيئًا من تلقاء ذاته كثمرة لإبداعه أو لحريّته" (الإرشاد الرسولي "افرحوا وابتهجوا"، عدد ٥٥). لذلك يذكرنا الكتاب المقدّس في القراءة الأولى كيف أنَّ عالمنا المفعم بالحياة والجمال هو أولاً عطية رائعة من الخالق الذي يسبقنا: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا" (تكوين ١، ٣١).

 

 

لذلك وغزاء هذا الواقع نحن مدعوون كجماعة مسيحية لكي نحمي الحياة في جميع أشكالها ونشهد بحكمة وشجاعة بواسطة أسلوب مطبوع بالمجانية والشفقة والسخاء والإصغاء البسيط القادر على معانقة الحياة وقبولها كما هي في هشاشتها وصغرها، وحتى غالبًا مع كلّ تحمله من تناقضات وما ينقصها من معنى. نحن مدعوون لنكون جماعة تنمّي أسلوبًا تربويًّا قادرًا على الترحيب بكلّ ما هو غير كامل، أو كلّ ما هو غير نقي أو غير مقطّر، وليس لهذا السبب لا يستحقّ الحبّ. هل يمكن لشخص ألّا يستحقّ الحبّ لأنه يعاني من إعاقة أو لأنّه ضعيف؟ هل يستحقّ الحبّ شخص أجنبيّ أو شخص قد أخطأ أو شخص مريض أو في السجن؟ هذا ما فعله يسوع: لقد عانق الأبرص والأعمى والمقعد، وعانق الفريسي والخاطئ. عانق اللصّ على الصليب وعانق حتى أولئك الذين كانوا يصلبونه وصفح عنهم.

 

 

 

 إن إعلان إنجيل الحياة يدفعنا ويطلب منا أن صبح مستشفى ميدانيًّا مُعدًّا لعلاج الجراح وتقديم مسيرة مصالحة ومغفرة على الدوام. لأن المعيار الوحيد للمسيحي الذي يمكن من خلاله الحكم على شخص ما أو حالة ما هو الشفقة التي يتحلّى بها الآب تجاه جميع أبنائه. وإذ نتّحد بالرب ونتعاون ونتحاور مع جميع الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة والذين يملكون معتقدات دينية مختلفة لنتحوّل إلى خميرة نبويّة لمجتمع يحمي جميع اشكال الحياة ويعتني بها.

 

 

 

إذاعة الفاتيكان.