القداسة هي أن نعيش كل يوم ما يحدث لنا بتواضع وفرح «متفرقات

 

تلا قداسة البابا فرنسيس ظهر يوم الأربعاء مع وفود الحجاج والمؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس صلاة التبشير الملائكي بمناسبة عيد سيدة الحبل بلا دنس.

 

وقبل الصلاة ألقى الأب الأقدس كلمة قال فيها:

 

يُدخلنا الإنجيل الذي تقدّمه لنا الليتورجيا اليوم، عيد الحبل الطاهر بسيّدتنا الطوباوية مريم البتول، إلى منزلها في الناصرة، حيث نالت إعلان الملاك. داخل جدران بيته يظهر الإنسان على حقيقته أفضل من أي مكان آخر. وفي هذه الحميمية البيتيّة، يعطينا الإنجيل تفصيلاً يُظهر جمال قلب مريم.

 

 

 يدعوها الملاك "ممتلئة نعمة". وإذا كانت ممتلئة نعمة، فهذا يعني أن العذراء مريم هي خالية من الشر، هي بلا خطيئة، وبلا دنس. الآن، إزاء هذا السلام - كما يقول النص –داخَلَ مريم اضطرابٌ شَديدٌ. هي لم تندهش وحسب بل اضطربت أيضًا. قد يؤدّي تلقي التحيات والتكريم والثناء في بعض الأحيان إلى إثارة الكبرياء والتعجرف.

 

لنتذكر أن يسوع لم يكن رقيقًا مع الذين يذهبون بحثًا عن التحيات في الساحات، والإطراء، ويسعون لكي يراهم الناس. أما مريم، فلا ترفع نفسها بل تضطرب؛ وبدلاً من تتنعّم شعرت بالدهشة، لقد بدت تحية الملاك بالنسبة لها أكبر منها. لماذا؟ لأنها تشعر أنها صغيرة في داخلها، وهذا الصغر وهذا التواضع يجذب نظر الله.

 

 

 وهكذا نرى داخل جدران بيت الناصرة سمة رائعة لقلب مريم، التي إذ نالت أسمى المجاملات، اضطربت لأنها لم يكُن بإمكانها أن تنسُب إلى نفسها ما قد سمِعت أنّه قد وُجِّه إليها. إنَّ مريم في الواقع، لا تنسب إلى نفسها أي امتيازات، ولا تدَّعي أي شيء، ولا تنسب شيئًا إلى استحقاقها.

 

لا ترضى بنفسها ولا ترفع نفسها؛ لأنها بتواضعها تعرف أنها تنال كل شيء من الله، وبالتالي فهي متحررة من نفسها وموجّهة نحو الله والآخرين. إنَّ مريم البريئة من الدنس لا تنظر إلى نفسها. هذا هو التواضع الحقيقي: ألا ينظر المرء إلى نفسه وإنما إلى الله والآخرين.

 

 

 لنتذكر أن هذا الكمال لمريم، الممتلئة نعمة، أعلنه الملاك داخل جدران بيتها: لا في الساحة الرئيسية في الناصرة، وإنما هناك، في الخفاء، في التواضع الأكبر. في ذلك البيت الصغير في الناصرة، كان ينبض أكبر قلب حصلت عليه خليقة أبدًا. أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، هذا خبر رائع بالنسبة لنا! لأنه يخبرنا أن الرب، لكي يصنع العظائم، لا يحتاج إلى وسائل عظيمة وقدراتنا السامية، وإنما إلى تواضعنا، ونظرتنا المنفتحة عليه وعلى الآخرين. بذلك الإعلان، داخل الجدران الفقيرة لبيت صغير، غيّر الله التاريخ.

 

واليوم أيضًا هو يرغب في أن يصنع أشياء عظيمة معنا في حياتنا اليومية: في العائلة، في العمل، وفي البيئات اليومية. هناك، وأكثر من أحداث التاريخ العظيمة، تحب نعمة الله أن تعمل. لكن، أتساءل، هل نؤمن بذلك؟ أم أننا نعتقد أن القداسة هي يوتوبيا، أمر يخصُّ فقط المعنيين بالموضوع، أو وهم تقيّ لا يتوافق مع الحياة العادية؟

 

 

 لنطلب من العذراء نعمة: أن تحررنا من الفكرة المضللة بأن الإنجيل هو أمر والحياة هي أمر آخر، وأن تُشعل فينا الحماس لمثال القداسة، التي ليست مسألة بطاقات مقدسة وصور قديسين صغيرة، وإنما أن نعيش كل يوم ما يحدث لنا بتواضع وفرح، متحررين من أنفسنا، وأعيننا موجّهة نحو الله والقريب الذي نلتقي به. لا نفقدنَّ الشجاعة لأنَّ الرب قد أعطانا جميعًا القدرة لكي ننسج القداسة في حياتنا اليومية!

 

 

وعندما يساورنا الشك بأننا لن ننجح بذلك، والحزن لأننا لسنا ملائمين لها، لنسمح بأن تنظر إلينا عينا العذراء مريم الرحيمتين، لأنه ما من أحدٍ طلب معونتها والتمس شفاعتها وعاد خائبًا!

 

 

إذاعة الفاتيكان.