"في زمن كزمننا، الذي يمزقه الكره والعنف، حيث يُستحضر حتى اسم الله لتبرير الحروب وقرارات الموت، نحن المسيحيين مدعوون لكي نقترب بدون خوف، بل "بثقة"، من صليب الرب، معترفين فيه بالعرش الذي نتعلم عليه كيف نملك من خلال بذل حياتنا في خدمة الآخرين" هذا ما قاله واعظ القصر الرسولي الأب روبرتو بازوليني في عظته في رتبة سجدة الصليب.
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عند الساعة الخامسة من مساء الجمعة رتبة سجدة الصليب في بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان لمناسبة الجمعة العظيمة، وتخللت الرتبة عظة ألقاها الأب روبرتو بازوليني واعظ القصر الرسولي وقد استهلها بالقول أيها الإخوة والأخوات، في هذا اليوم المقدس، تجعلنا الليتورجيا نتأمل في آلام الرب. وأمام سر الموت والمجد هذا، من الطبيعي أن نلوذ بالصمت والصلاة. ومع ذلك، يبقى صليب المسيح عرضة لأن يبقى غير مفهوم إذا نظرنا إليه كحدث معزول، أو كواقعة مفاجئة. في الحقيقة، الصليب هو ذروة مسيرة: كمال حياة تعلم فيها يسوع أن يصغي ويستقبل صوت الآب، تاركًا نفسه تنجرف يومًا بعد يوم نحو الحب الأعظم. ولكي نفهم هذه المسيرة في أيام أسبوع الآلام، جعلتنا الليتورجيا نستمع إلى ما يسمى "أناشيد" عبد الرب؛ وهي نصوص شعرية رسم فيها النبي أشعيا ملامح شخصية "عبد" غامض، ينجح الله من خلاله في تخليص العالم من الشر والخطيئة. وقد ميز التقليد المسيحي في هذه الأناشيد استباقًا مذهلاً ومأساويًّا لخطوات يسوع، بصفته "رجل أوجاع وعارف بالألم"، "أخلى ذاته وصولاً إلى الموت" وحمل على نفسه "خطايا الكثيرين".
تابع واعظ القصر الرسولي يقول في النشيد الأول، يُقدَّم العبد كشخص دعاه الرب للقيام بمهمة محددة وجميلة: أن يفتح "عيون العمي" ويخرج "الأسير من السجن، والجالسين في الظلمة من بيت الحبس". إنها مهمة في سبيل الحياة، موجهة نحو الذين يرزحون تحت وطأة الألم والظلم والخطيئة. ومع ذلك، سيتعين على العبد أداء هذه المهمة بأسلوب دقيق: "لا يصيح ولا يرفع صوته ولا يسمع صوته في الشوارع. القصبة المرضوضة لن يكسرها والفتيلة المدخنة لن يطفئها يبدي الحق بأمانة". بدون عنف، ولا لجوء إلى القوة، ولا استسلام لتجربة تدمير كل شيء للبدء من جديد. ويجب على العبد أن يبحث عن الحياة في وسط ظلمات الشر. نعلم أنّه ليس من السهل اعتناق مهمة كهذه؛ إذ نميل جميعًا لاستخدام شيء من العدائية والعنف، ظنًا منا أن المسائل لا تُحل بدون هذه الوسائل. لكن عبد الرب لا يمكنه أن يستسلم لهذه الغريزة: عليه أن يحرس الوداعة بصفتها القوة الوحيدة لمواجهة ظلمات الشر.
أضاف الأب روبرتو بازوليني يقول في النشيد الثاني، يظهر تصدع ما. فبعد محاولته تحقيق رسالته، يشعر العبد بأن كل مسعاه لفعل الخير يبدو بلا جدوى ويقول: "إني باطلا تعبت وسدى وعبثا أتلفت قوتي". إنَّ الخير الذي قد زرع يبدو أنه لن ينبت، وكل شيء يبدو ساكنًا ومعطلاً. إنها أزمة تصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى كل من اختار اتباع الرب: الشعور بالدوران في حلقة مفرغة، وعدم الوصول إلى أي مكان، والبقاء أمينًا لشيء لا يؤتي ثمارًا. في الواقع، هذا مجرد انطباع؛ فبكلمة "عبثًا"، لا يقول النبي إن العبد عمل بلا فائدة، بل فقط إن نتيجة عمله لا يمكن التحقق منها بمقاييسنا. بدخوله إلى الظلمات، دخل عبد الرب في فسحة لم تعد فيها الأمور تُفهم بمعاييرنا البشرية، بل تتبع تدبيرًا إلهيًا، غالبًا ما يكون مفارقًا، لخلاص يأتي من الله.
تابع واعظ القصر الرسولي يقول في النشيد الثالث تبرز مفاجأة جديدة: يدرك العبد أن الذين يريد مساعدتهم يقابلونه بالعداء والغضب وحتى بالعنف. فمن يعيش في الظلمة لا يقبل النور دائمًا، بل يرفضه أحيانًا ويحاول إيقافه. لأن النور لا يبرز الجمال فقط، بل يكشف أيضًا عما نفضل إخفاءه: جراحنا، وأكاذيبنا، وازدواجيتنا. وهذا أمر مخيف. غير أن العبد لا يتراجع، بل يواصل الطريق الذي رسمه الرب بدون أن يهرب: "أسلمتُ ظهري للضاربين وخدي للناتفين ولم أستر وجهي عن الإهانات والبصاق".
أضاف الأب روبرتو بازوليني يقول في النشيد الرابع يحدث شيء مذهل. العنف الذي ينهال على العبد شديد لدرجة أنه يشوه وجهه، حتى يجعله غير قابل للتعرف عليه. ومع ذلك، فقد تعلم طوال هذا الطريق ألا يرد الشر بالشر. فعندما يضربنا الشر، تكون الغريزة ردة الفعل، أو إعادته لمصدره، أو تصفية الحسابات. أما العبد، فلا يستسلم لهذا المنطق: هو يقبل كل شيء بدون أن يُبادل بالعنف. يصل الشر إليه وهناك يتوقف: "حمل خطايا الكثيرين وشفع في معاصيهم".
تابع واعظ القصر الرسولي يقول أيها الإخوة والأخوات، إنَّ يسوع لم يكتفِ بالاستماع إلى هذه الأناشيد، بل جسدها وعاشها بعمق، بثقة تامة في مشيئة الآب، لدرجة أنه حول صلبه إلى حدث خلاصي. إن العالم، أمام الشر، لا يعرف سوى طريقين: الاستسلام أو الانتقام. نرى ذلك باستمرار: في الحروب، في الانقسامات، في الجراح التي تطبع العلاقات. إنَّ الشر يستمر في الدوران لأنه يجد دائمًا من هو مستعد لرده ومضاعفته. أما يسوع فقد كسر هذه السلسلة، لا بفرض نفسه بقوة متفوقة، بل بقبول ما حدث له والتعرف في تلك الأحداث المأساويّة في آلامه على "المدونة الموسيقية" للحب والخدمة التي أوكلها الآب لحياته. لم يعزف هذه المدونة بشكل آلي، بل تبنَّاها، مترجمًا الكلمات النبوية إلى لفتات ملموسة، ومغفرة، وصمت مفعم بالرحمة. وهكذا، إذ سار في درب الصليب، تعلم أصعب أنواع الطاعة: طاعة المحبة للآخر، حتى عندما يظهر الآخر كعدو.
أضاف الأب روبرتو بازوليني يقول نحن نعيش في عالم لم يعد فيه صوت الله يوجه مسيرة البشرية المشتركة كما في السابق. ليس لأنه غاب، بل لأنه صار غالبًا صوتًا من بين أصوات كثيرة، غطت عليه كلمات أخرى تعِدُ بالأمن والتقدم والرفاهية. هذه هي المؤشرات التي توجه الكثير من الخيارات اليوم وترسم اتجاه الحياة المشتركة. ومع ذلك، لا يزال العالم مكانًا يعاني فيه الناس ويموتون، غالبًا بلا ذنب وبلا سبب. إنَّ الحروب لا تتوقف، وأشكال الظلم تتضاعف، والأشدَّ ضعفًا هم الذين يدفعون الثمن. يبدو الأمر وكأننا نفتقد إلى كلمة قادرة على لملمة شتات المسيرة البشرية، نشيد يعرف كيف يوجه خطواتنا نحو عالم أكثر عدالة وأخوة. ومع ذلك، في هذا المشهد بالذات، يمكننا أن نلمح شيئًا مدهشًا: حشد صامت من الأشخاص الذين يختارون الإصغاء إلى صوت مختلف. البعض يميزه بوضوح كإرادة الله، والبعض الآخر يشعر به كنداء عميق لا غنى عنه من ضمائرهم. إنه صوت لا يصرخ، ولا يفرض نفسه بالقوة، ولا يعِد بطرق مختصرة. إنه نشيد متواضع وعنيد، يدعو إلى الحب، إلى الصمود، وإلى عدم رد الشرَّ بالشر.
تابع واعظ القصر الرسولي يقول يختار البعض أن يصغوا إلى هذا النشيد. وهم رجال ونساء يسلكون، أحيانًا بدون علمهم، نفس طريق عبد الرب. لا يقومون بأفعال استثنائية، بل ببساطة يستيقظون كل يوم ويحاولون أن يجعلوا من حياتهم شيئًا لا يخدمهم وحدهم، بل يخدم الآخرين أيضًا. يحملون أثقالاً لم يختاروها، ويقبلون الجراح بدون أن تقسى قلوبهم، ولا يكفون عن البحث عن الخير حتى عندما يبدو عديم الفائدة. لا يثيرون ضجيجًا، ولا يتصدرون المشهد، لكنهم يبقون مفتوحًا باب الاحتمال لعالم مختلف. بفضلهم، لا تكون للشر الكلمة الأخيرة، ولا ينغلق التاريخ على العنف. هؤلاء يثبتون أن أناشيد ذلك العبد، الذي يُسر به الله، لا تزال تتردد في القلب البشري، منتظرة فقط من هو مستعد لترجمتها إلى مدونة موسيقية ملموسة في حياته الخاصة، حتى وإن كان ذلك يعني حمل الصليب.
أضاف الأب روبرتو بازوليني يقول بعد قليل، سنُكرِّم صليب الرب بلفتات وصمت وصلوات. ستكون فرصة خاصة للتعرف على سر الله والمصالحة مع نوعية حبه لنا وللجميع؛ ذلك الحب الضعيف والقوي في آن واحد. إذا أردنا ألا نغامر باختزال الليتورجيا في مظهر خارجي شكلي، فيمكننا أن نقرر، على الأقل في أعماق قلوبنا، أن نضع جانبًا الأسلحة التي لا نزال نقبض عليها بأيدينا. ربما لا تبدو لنا خطيرة كأسلحة أقوياء العالم، لكنها مع ذلك أدوات موت، لأنها كافية لإضعاف وجرح وإفراغ علاقاتنا اليومية من المعنى والحب.
تابع واعظ القصر الرسولي يقول بالأمس كما اليوم، يحتاج العالم إلى الخلاص: من عنف الشر، ومن الظلم الذي يقتل، ومن الانقسامات التي تهين. لكن هذا الخلاص لن يهبط من فوق، ولن تضمنه قرارات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية. إن العالم يُخلَّص باستمرار من خلال الأشخاص المستعدين لقبول أناشيد عبد الرب كنهج لحياتهم. هذا ما فعله الرب يسوع: لقد أخذ مشيئة الآب على محمل الجد، وقبلها كمدونة موسيقية يجب تنفيذها حتى النهاية، "بصراخ شديد ودموع ذوارف". لهذا السبب، في اللحظة الحاسمة لاعتقاله، أعلن: "أنا هو"، ليدخل بحرية في آلام حبه.
أضاف الأب روبرتو بازوليني يقول أيها الإخوة والأخوات نحن أيضًا، في هذه الليلة، تُسلم إلينا مدونة الصليب الموسيقية. يمكننا أن نقبلها بحرية، إذا قبلنا أنه لا يوجد ظرف صعب لا يمكن مواجهته، ولا مذنب يجب أن نوجه إليه إصبع الاتهام، ولا عدو يمكنه أن يمنعنا من أن نحبَّ ونخدم. بل هناك نحن، الذين باختيارنا عدم رد الشر، وبالبقاء صابرين في الضيقات، وبالإيمان بالخير حتى عندما يبدو أن الظلام يبتلع كل شيء، يمكننا أن نصبح أولئك العبيد الذين يريد الرب أن يحتاج إليهم لكي يحمل الخلاص للعالم.
وختم الأب روبرتو بازوليني واعظ القصر الرسولي عظته بالقول في زمن كزمننا، الذي يمزقه الكره والعنف، حيث يُستحضر حتى اسم الله لتبرير الحروب وقرارات الموت، نحن المسيحيين مدعوون لكي نقترب بدون خوف، بل "بثقة"، من صليب الرب، عالمين أنَّ العرش الذي نتعلم عليه كيف نملك من خلال بذل حياتنا في خدمة الآخرين. إذا عرفنا كيف نتمسك "بشهادة الإيمان"، كذلك ستعرف أيامنا كيف تعطي صوتًا لأناشيد الفرح والألم، تلك المدونة الموسيقية الغامضة للصليب التي يمكننا أن نميِّز فيها نوتات الحب الأعظم.
إذاعة الفاتيكان