وُلِد من العذراء من أجلي «القوت اليومي

 

 

 

 

 

المولود من الآب قبل كل الدهور، وُلِد من العذراء من أجلي:

 

فما دام الكل يفرحون، أنا أيضاً أريد أن أفرح. أنا أيضاً أرغب أن أُشارِك في بهجة المرنِّمين، أن أحتفل بالعيد؛ ولكني سأشترك، ليس بنقر الأوتار، ولا بموسيقى المزمار، ولا بحمل المشاعل، بل بحمل مهد المسيح بين أذرعي.

 

فهذا هو كل رجائي، هذا هو حياتي وخلاصي، مزماري وقيثاري. وعندما أحمله، وأنال من قوته موهبةَ كلامٍ، آتي أنا أيضاً مع الملائكة مرنِّماً: «المجد لله في الأعالي»، ومع الرعاة «وعلى الأرض سلام للناس ذوي المسرَّة».

 

في هذا اليوم، الذي هو مولود الآب بما لا يُنطق به، وُلد من العذراء لأجلي، بطريقة يعجز اللسان عن روايتها. مولودٌ، بحسب طبيعته، من الآب قبل كل الدهور – على أية حالٍ يعرف الذي ولده – وقد وُلد ثانيةً في هذا اليوم من العذراء بما يفوق نظام الطبيعة – على أية حال يعرف قوة الروح القدس – ميلاده السماوي حقيقي، وميلاده هنا على الأرض حقيقي. كإله هو حقاً مولود من الآب، وهكذا كإنسان هو حقاً مولود من العذراء. في السماء هو وحده مولود الآب الوحيد، وعلى الأرض هو وحده مولود العذراء الوحيد.

 

وكما أنه في الولادة السماوية، يُعتبر ادِّعاءُ وجود أُمٍّ هرطقةً؛ هكذا في الولادة الأرضية (بالنسبة لميلاد المسيح)، فإن ادِّعاء وجود أب هو تجديفٌ. الآب وَلَدَ في الروح، والعذراء وَلَدَت بلا دنس. الآب وَلَدَ بدون تحديدات الجسد، لأن الذي ولده هو اللاهوت؛ والعذراء لم تعاني فساداً في وضعها، إذ أنها ولدت معجزياً.

 

مِن ثمَّ فإنه ما دام هذا الميلاد السماوي لا يمكن وصفه، فمجيئه بيننا في هذه الأيام لا يسمح بالتفحُّص بالفضول الشديد. بالرغم من معرفتي بأن عذراءً وَلَدَت ابناً في تلك الأيام، وبالرغم من اعتقادي بأن الله وَلَدَ الابن قبل كل الأزمان؛ إلاَّ أنني تعلَّمتُ أن أوقِّر طريقة هذا الميلاد في صمت، وأن أقبل ألاَّ أسْبر غور هذا الأمر بفضول الحديث بالكلام. فإنه مع الله نحن لا نفتش عن نظام الطبيعة، بل نسند إيماننا على قوة الله الذي يعمل.

 

لا مراء في أنه من خصائص الطبيعة أن تلد المرأة المتزوجة، لكن حينما تظل عذراء غير متزوجة بكراً حتى بعد أن تحمل طفلاً، فهنا أمر يفوق الطبيعة. أما بخصوص ما يحدث وفقاً للطبيعة، فيحقُّ لنا أن نسأل؛ أما ما يفوق الطبيعة فنحن نكرِّمه في سكون، لا على أنه شيء لابد من تجنُّبه أو تجاوزه، بل كأمر فائق يعلو على كل عقل.

 

 

 

يوحنا فم الذهب(+407)