الصَّــــــوم

(مرقس 9/ 29)

 

" هذا الجنس لا يُطرد إلاَّ بالصَّلاة والصَّوم."

كثيرًا ما يقولون: "لماذا الصَّوم عن الأكل والشُّرب؟ الواحد يُصوِّم لسانه أفضل بكثير."

أنا معهم إذا كان الصَّائم مادِّيًّا لا يريد أن يصوم أدبيًّا، لا يريد أن يتوب عن مساوئه. بهذا المعنى يقول القدِّيس مكسيموس التوريني: "ماذا يفيدك أن تمتنع عن أكل خبز يخصُّك، أن أنت سرقتَ الفقير؟...

لا يحقّ لك يا أخي أن تتردَّد على الكنيسة ما لم تحرِّر خطاك من شبَّاك الرِّبا المُهلكة.

لا يحقّ لك أن تتضرَّع إلى ربِّك ما لم يتحرَّر قلبك من الحسد.

لا يحقّ لك أن تقرع صدرك ما لم تطرُد منه النوايا السَّيِّئة.

لا يحقّ لك أن تعطي الفقير فلسًا اختلسته من فقير آخر."

وأنا ضدَّهم إذا كانوا بكلامهم يقصدون تجريد الصَّوم من كلّ فائدة وكلّ قيمة روحيَّة. الصَّوم يذكـِّرنا:

1- بضرورة  التقشُّف للتحرُّر من القيود التي تثقـِّل الإنسان وتبعده عن الله غاية وجوده: " أما تعلمون أنَّ السَّاعين في الميدان كلـُّهم يسعون... فاسعَوا هكذا حتى تفوزوا" ( 1كور 9/ 24).

    القدِّيسة ماري مادلين بوستيل كانت تنام ورأسها على حجر. تتناول وجبة ً واحدة بلا لحم ولا سمك، وغالبًا ما كانت تكتفي بالخبز الناشف. تصوم كلـِّيًّا من أربعاء أسبوع الآلام حتى صباح العيد. توفـِّيَت عن تسعين عامًا، فوجدوا على جسمها مِشَدًّا فيه ألف ومئة مسمار!... وماذا القول عن تقشُّف القدِّيس شربل؟... وتقشُّف القدِّيس جان ماري فينـّاي خوري رعيَّة أرس في فرنسا؟...

يقول أحد الكتـَّاب: "ما من أمر ٍ يجعلنا نتقدَّم في الحياة الرُّوحيَّة مثل الإكتفاء بحفنةٍ من الأرزّ في النهار، وقليل ٍ من الماء المالح" (أرنست بْسيكاري).

 2- بضرورة الصَّلاة: يقول المسيح: "إسهروا وصلـُّوا لئلاَّ تدخلوا في التجربة. فالرُّوح متحمِّس، أمَّا الجسد فضعيف" (متى 26/41). والقدِّيس جان ماري فينـّاي: " كم من خاطئ كان يَرذل خطيئته لو أنـَّه يلجأ إلى الصَّلاة!" والأب كروز، رسول البرتغال: "ألله يدير الكون، لكنـَّه يندار للصَّلاة!".

 القدِّيس توما الأكويني هو من أكبر معلـِّمي الكنيسة في اللاَّهوت ومؤلـِّف الخلاصة اللاَّهوتيَّة والفلسفيَّة، وقد علـَّمت الكنيسة في كتبه سبعمائة سنة : من 1200 إلى سنة 1900 ، يقول:

" إستفدتُ من الصَّلاة أكثر ممَّا تعلـَّمتُ في الكتب".                              

3- بضرورة  التوبة. الصَّوم يُشركنا مع المسيح للتكفير عن الخطايا، ويقوِّي الضُّعف البشريّ. يقول القدِّيس باسيليوس: "صوموا فأنتم خطأة. صوموا لئلاَّ تخطأوا."

والصَّوم يرفع "غضب" الله: نينوى، مدينة الفسق والفساد، رحِمها الله وأبعد عنها الهلاك لمَّا استجابت لإنذار النـَّبي يونان فتابت بالصَّوم والمسوح... ونينوى اليوم؟ ... يقول المسيح: "إن لم تتوبوا تهلكوا جميعكم" (لو13/5)... والقدِّيس بولس: "الذين هم للمسيح يسوع صَلبوا الجسد مع الأهواء والشَّهوات" (غلا 5/24) ويضيف قائلاً :" كلّ مجاهد يضبُط نفسه في كلِّ شيء. أمَّا أولئك فلِيَنالوا إكليلاً يفنى. وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى.

فهكذا أسعى أنا... إنـِّي أقمع جسدي وأستعبده لئلاَّ أصير أنا نفسي مرذولاً بعدما وَعَظتُ غيري" (1كور 9/ 25- 27) . 

لهذا السَّبب كلـَّما ظهرت مريم على الأرض في لورد أو لاسَلِيت أو باريس أو مديڠورييه، تدعو إلى التوبة.

 4- بضرورة الإشتراك في آلام المسيح. " مَن أراد أن يكون لي تلميذًا، فليحمل صليبه ويتبعني" ( متى 16/24)، أي فليُصَلـِّب على كبريائه وأنانيَّته وشهواته... ومار بولس: " إنـِّي أُتِمّ ما يَنقص في جسدي من شدائد المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة " (كول 1/ 24)... ويقول الأب كورمْيا: "نهارٌ بلا إماتة، مثلُ بلاد بلا كنيسة".

5- بضرورة المحبَّة والمشاركة، لأنَّ " مَن لا يضحِّي بشيء، لا يحبّ. مَن يضحِّي بالقليل، يحبّ قليلاً. ومَنْ يضحِّي بالكثير، يحبّ كثيرًا"      ( الأب مونيا ڤينار).

وللقدِّيس باسيليوس قولٌ استشهدتُ به سابقـًا: "مِلكُ الجائع هو ذلك الرَّغيف الذي تضعه جانبًا. مِلك العريان ذلك المِعطف الذي تحتفظ به في صناديقك. مِلك الحافي ذلك الحذاء الذي يتعفـَّن عندك ويَتلـَف. مِلك المحتاج ذلك المال الذي تخبِّئه. وعليه فإنـَّك تقترف ظـُلمًا كلـَّما تباخلتَ وحَبستَ يدكَ عن فقير معوَز."

 6-  بأنـَّنا تراب: " اُذكر يا إنسان أنـَّك تراب وإلى التراب تعود!" كلمة ٌ تمُجُّها الذهنيَّة المعاصرة وترفضها قائلة: "أما تزال الكنيسة في عقليَّة القرون الوسطى؟ العالم بلغ في التقدُّم شوطـًا أوصله إلى القمر، وأبعد... فما بالُ الكنيسة تذكـِّرنا بالتراب فيما بالُ العالم بالرَّخاء والرَّفاهيَّة والتنعُّم واللهو والملذات والعيش الرَّغيد؟"

نعم، في كلِّ ذلك لذة. ولكن هل في كلِّ ذلك سعادة؟ سؤال يُطرَح، لأنَّ أكبر عدد انتحارات يُسجَّل هو في أرفه بلدان العالم، البلدان السكانديناڤيَّة. أيكون ذلك لأنَّ السَّعادة لا تكون في الجلد بل في القلب؟... قلبُ الإنسان قطعة ٌ من قلب الله، وهو لا يملأه إلاَّ الله.

ألم يقل المسيح:" ليس بالخبز وحده يحيا ( يَسعَد) الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله" (متى 4/4)؟ 

                                   كتاب:" هذا إيماني" لِلأب جميل نعمة الله السِّقلاوي اللعازري