الموارنة: إعلان ملكوت، نهج إيمان، مقاومة شعب، وتاريخ وطن
350م - سوريَّا: جبل نابو منطقة القوروشيَّة
ولادة القدِّيس مارون:
في نصف القرن الرّابع ميلاديّ - نحو سنة 350 – وفي مدينة قوروش الجبليّة التي تبعد مسافة سبعين كيلومتراً شمالي غربي حلب، لهج سكّان المنطقة بسيرة ناسك معاصر اسمه مارون. اشتهر بالعيش القشف وأصبح المؤسّس لطريق النسك في الهواء الطلق، وتبعه في هذا النهج تلاميذ كثيرون من رجال ونساء.
بداية نسكه: المكان، الزَّمان والطبيعة:
اعتنقَ مارون المعيشة َ في العراء، واحتلَّ قِمَّة َ جبَل ٍ كانَ موضوعَ إكرام ٍ لدى الوثنيّين. وبعدَ أنْ طهَّرَهُ منَ الشَّياطين، مُكرِّسًا إيَّاهُ لله، أقامَ فيهِ مُنشِئًا هُنالكَ خيمة ً ما استعملها إلاَّ نادرًا. تارة ً تـُبَلـِّلهُ مياهُ الشِّتاء، وطورًا الـثـَّلجُ والجليد، وأحيانـًا يشويهِ لهيبُ الشَّمس ِ المُحرق. ويحتمِلُ كلَّ هَذا بجَلـَدٍ بالِغ، كما لو كانَ يُقاسي هَذِهِ الآلامَ في جَسَدٍ غير ِ جسَدِه. ويجتهدُ في التغلـُّبِ على ضَعفِ الطبيعةِ بقوَّةِ الرُّوح.
أهمّ ما اشتهر به من شفاءات جسديَّة ونفسيَّة:
وهبَهُ اللهُ مواهِبَ الشِّفاء، حتى اشتهرَتْ اخبارُهُ بينَ الـنـَّاسِ في جميع ِ الآفاق، فتقاطروا إليهِ منْ كلِّ صَقع ٍ ومكان. وكانوا جميعًا قد علِموا بالاختبار ِ أنَّ ما اشتهرَ عنهُ منَ الفضائِل ِ والعجائِبِ صحيح. لأنـَّهُ كانَ يُخمِدُ عنهُمُ اضطِرامَ الحُمَّى المُتوقـِّدة، بندى البركةِ وظلِّ النـِّعمة.
كانَ يُعالِجُ كافـَّة َ الأمراض ِ بدواءٍ واحدٍ خاصٍّ هوَ الصَّلاة. وما كفى أنـَّهُ كانَ يُبرِئُ الدَّاءَ الجسدانيَّ فقط، بَل ِالرُّوحانيَّ أيضًا؛ كانَ يُداوي الأنفسَ بما يوافِقُ شِفاءها: يشفي واحدًا منْ داءِ البُخل، وآخَرَ منْ داءِ الغضَب، وآخَرَ يصِفُ لهُ دواءَ القناعة، ويُعلـِّمُ آخَرَ قانونَ العَدل، وآخَرَ يُحَذِّرُهُ منَ الشَّرّ، وآخَرَ يَشفِيهِ منَ الضَّجر، ويوقِظ ُ آخَرَ منْ غفلةِ الفتور، إلى غير ِ ذلِكَ منَ الأدواءِ النفسانيَّة، حتى أنـَّهُ بمُمارسَةِ مثل ِ هذهِ الحِراثة، قدْ أنمى كثيرًا منْ أغراس ِ الحِكمة.
410 م - سوريَّا: منطقة براد والجوار
مرض القدِّيس مارون:
ماتَ مارونُ سنة 410 ولكنَّ تلاميذهُ تابعوا المسيرة. وفي سنة 451 في أثناءِ المجمع المسكونيِّ الذي عُقِدَ في خلقيدونية كانَ لهُمْ موقفٌ صريح.
نزاع الأهل حول الجثمان:
وقد حصل نزاعٌ كبير بين أهل الجوار على جثمانه. إلا أنّ البلدة الأقرب والأكثر عددًا، قد جاء أهلها بجملتهم، فاستحوذوا على هذا الكنز الثمين، بعد أن هزموا الآخرين.
بناء كنيسة على إسم القدِّيس:
وقدْ بَنـَوا لهُ هيكلاً فخمًا جدًّا، وهُمْ لا يَزالونَ إلى يَومِنا هَذا، يُكرِّمونَ هَذا الظـَّافِرَ باحتفال ٍ باهِر، وينالونَ الكرامات. أمَّا نحنُ، فإنـَّنا نغنمُ أيضًا بَرَكتهُ على البُعد، وحَسبُنا ذِكرُهُ تعويضًا عنْ مُقامِه.
410-687م بين سوريَّا ولبنان
شهداء المجمع الخلقيدوني في سوريَّا:
وفي سنة 451 في أثناءِ المجمع ِ المسكونيِّ الذي عُقِدَ في خلقيدونية كانَ لهُمْ موقفٌ صريح. أوضحَ المجمعُ العقيدة َ الصَّحيحة َ حولَ شخص ِ يسوعَ المسيح. يسوعُ هوَ إلهٌ وإنسانٌ ولهُ طبيعتان ِ إلهيَّة وإنسانيَّة... فأيَّدهُ الموارنة ودافعوا عنْ مُقرَّراتِه. وسرعانَ ما أصبحَ أعداءُ المجمع ِ الخلقيدونيِّ أعداءَ الموارنةِ الذينَ دفعوا ثمَنَ ذلكَ 350 شهيدًا. وأخذوا يلجأونَ على دفعاتٍ إلى جبال ِ لبنان.
الهروب إلى لبنان والإحتماء من الإضطهادات:
وكانَ اللـُّبنانيُّونَ في جبل ِ لبنانَ قدْ اهتدوا، في أواخِر ِ القرن ِ الخامس، إلى المسيحيَّةِ على يدِ بعض ٍ منْ تلاميذِ مارونَ وأصبحوا موارنة. فرحَّبوا بإخوانهم ِ القادمينَ إليهمْ منْ جوار ِ إنطاكية. وتابعوا معهُمُ المسيرة. في سنة 687 نصَّبوا بطريركـًا عليهم هوَ مار يوحنا مارون.
يوحنا مارون البطريرك الأوَّل في كفرحي- لبنان:
سكنَ البطريركُ مار يوحنا مارون بلدة َ كفرحي جاعلاً كرسيَّهُ الأُسقفيَّ فيها كرسيًّا بطريركيًّا. ونسِيَ الموارنة سِنِيَّ الشَّبع ِ وحصَّنوا نفوسهُمْ لِسِنِيِّ الجوع. فأقبلوا على الصُّخورِ يُحوِّلونها تربة ً يزرعونَ فيها القمحَ والشَّعيرَ والزَّيتونة َ والكرمة َ والتـُّوتة.
وفي عام 1823 وخلالَ بطريركيَّةِ يوسفَ حبيش إنتقلَ الكرسيُّ البطريركيُّ إلى منطقةِ بكركي في لبنانَ المقرّ الرَّسميّ للبطريركيَّةِ المارونيَّةِ حتى الآن. وتعني كلمة بكركي بالعربيَّة "مكانَ حفظ ِ الوثائِق ِ والكتب".
أقوال في القدِّيس مارون
يوحنا ذهبيّ الفمّ:
إنَّ علائقَ المودَّةِ والصَّداقةِ التي تربطـُنا بكَ، تمَثـِّلـُكَ نـُصبَ عَينينا كأنـَّكَ حاضرٌ لدينا. فإنَّ أخبارَ صِحَّتكَ تولِينا على البُعدِ أجلَّ سُرور ٍ وتعزيةٍ في غـُربتِنا، فتطيبُ نفسُنا كثيرًا إذ نعلمُ أنـَّكَ في عافِيَة. وجُلُّ ما نسألكَ أنْ تصَلـِّيَ إلى اللهِ منْ أجلِنا.
المطران تيودوريطس:
هذهِ الحديقة ُ التي تزهِرُ الآنَ في القورُشيَّة، مارونُ هوَ الذي غرسَها. ومنْ فضل ِ هَذهِ الحِراثة، يَعقوبُ الكبيرُ الذي يَصُحُّ أنْ يُقالَ فيهِ بكلِّ صَوابٍ تلكَ الآية ُ النبوَيَّة:" ألصِّدِّيقُ كالنـَّخل ِ يُزهِر، ومِثلَ أرز ِ لبنانَ يَنمي"؛ وغيرُهُ أيضًا سَنذكرُهُمْ إنْ وَفـَّقَ الله. ولقّبه بـ " مارون الإلهيّ".
إعداد: عائلة الأخويّات